الفنان التشكيلي يحيى سويلم: رحلة عاشق للكويت

يعتبر الفنان التشكيلي يحيى سويلم من الفنانين الكبار الذين عاصروا الفن التشكيلي في الكويت وممن ساهموا ولعبوا دوراً في انتشاره عبر تنظيم المعارض التي كان يقوم بها انطلاقاً من عمله في غاليري بوشهري والمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب.

درس يحيى سويلم الزخرفة في كلية الفنون التطبيقية بالقاهرة عام 1960 وهو المجال الأم في ذلك الوقت كونه يجمع بين طياته تخصصات عدة، منها الجرافيك وتصميم الإعلان والتصوير الجداري )موزاييك وفريسكو( والزجاج المعشق بالرصاص. حاصل على دراسات عليا في الفنون الشعبية وعلى الجائزة الأولى في الحفر من جمعية الفنون التشكيلية الكويتية عام 1976 .

عمل بعد تخرجه مباشرة ولمدة سنتين في الأزهر الشريف، حيث كان يدرس مادة الفنون الإسلامية، وأقام معرضه الأول بعد تخرجه في أتيليه القاهرة، واستقطب في حينها كبار الحركة الفنية التشكيلية في مصر الذين حرصوا على زيارته ونظراً لتميز أعماله منحته مصر جائزة الدولة التشجيعية ليكون بذلك أصغر فنان في جيله يحوز على هذه الجائزة ) 20 عاماً( ووصف النقاد معرضه ولوحاته بأنها “غير تقليدية ولا يسير وراء أحد”.

الانتقال إلى الكويت
انتقل عام 1967 بعمر 23 سنة إلى الكويت، حيث عمل مدرساً لمدة 14 عاماً، إلى جانب عرض أعماله الفنية في غاليري سلطان لأصحابه غازي ونجاة السلطان من خلال معرضين كان آخرهما في عام 1980 . يقول يحيى سويلم:“ كان غاليري سلطان الأهم في الكويت والعالم العربي آنذاك وكان هدفه أن يكون رسولاً للفن العربي في العالم ”.
بعد تركه التعليم التحق بالعمل في شركة بوشهري وبالتحديد في قسم خدمة الصورة وتصميمها بعد التصوير وبعد تأسيس قاعة بوشهري عام 1981 توسعت مهامه نحو تنظيم المعارض وأولها كان عرض أعمال المصورين الفوتوغرافيين ومن بعدها توسعت القاعة لتشمل الفنانين التشكيليين. يقول يحيى سويلم: “يعتبر معرض بوشهري الغاليريالوحيد الذي استمر دون انقطاع منذ العام 1981 ويهتم بالفنانين الكويتيين والعرب والأصدقاء والأجانب، حيث استضاف أعمالاً لفنانينمن تركيا والهند وبلغاريا وإيران وسوريا ومصر والأردن ولبنانوبفضل ذلك بات لدينا أصدقاء من مختلف أنحاء العالم وأصبح لبوشهري اسماً وسمعة طيبة”.

بعد الغزو، طلبه المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب للعمل معه وعمل بداية في قسم الفنون التشكيلية وقام بتصميم المطبوعات، فضلاً عن تنظيمه العديد من الفعاليات من ضمنها معارض الفن التشكيلي داخل وخارج الكويت لفنانين محليين وعرب وعالميين وهذا ما ساهم بجعل الكويت حلقة وصل مع العالم ومع الدول الصديقة،

إلى جانب تأليفه كتاباً بعنوان “ملامح الفن التشكيلي في الكويت” وآخر بعنوان “معارض الربيع” التي كانت تقام سنوياً واستمرت لسنوات عدة.

تربط بين يحيى سويلم والفن منذ تخرجه علاقة وطيدة ووثيقة جداً رغم ابتعاده عن ريشة الرسم، حيث كان وبشكل دائم على احتكاك بالرسم والفنانين التشكيليين من خلال إعداده صفحة )أتيليه( المتخصصة بالفنون في جريدة القبس وجريدة الصوت بعد ذلك، فضلاً عن اقتنائه مجموعة من اللوحات المختارة بدقة لمحمود سعيد وعبد الهادي الجزار وسيف ونلي وفاتح المدرس وأمين الباشا وفاطمة الحاج وغيرهم.

الساحة الفنية
يصف يحيى سويلم الحركة التشكيلية في الكويت بأنها رائدة على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي، كما أنها تمتلك حضوراً مميزاً في الوطن العربي وقد تطورت إبداعات الفنان الكويتي مع تطور الحياة في المجتمع، فارتفعت درجة الوعي التشكيلي في الكويت، وساهمت المؤسسات الحكومية وبعض جمعيات النفع العام في تطوير الحركة التشكيلية التي كانت حاضرة في المشهد الثقافي وفي الأسابيع الثقافية التي كانت تنظمها الكويت في العديد من البلاد العربية والأجنبية.

ويرى يحيى سويلم أن حركة الفنون التشكيلية كانت ناشطة ومزدهرة في السبعينات، حيث بدأت الحركة الفنية في الكويت في عصر النهضة الكويتي، ومعها زاد الاهتمام بالأدب والفنون وبدأ التركيز على تطوير الحركة الفنية، منها المسرح والسينما والتلفاز والموسيقى والفنون والمتاحف. أما في مجال الفن التشكيلي، يعد المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب والجمعية الكويتية للفنون التشكيلية والصندوق العربي من أهم الجهات الداعمة للحركة التشكيلية في الكويت، وكانت الدولة تولي اهتماماً كبيراً بالفن التشكيلي، فضلاً عن إرسال الفنانين في بعثات إلى الخارج لصقل موهبتهم وبالتالي توسيع دائرة معلوماتهم وإدراكهم. يقول سويلم:”بتشجيع من مديرالتعليم آنذاك عبد العزيز الحسين كان هناك بعثات لتعليم الفن خرّجت أهم الأسماء في عالم الفن التشكيلي الكويتي ومن الفنانين التشكيليين في الكويت حميد خزعل وعبد الله القصار”.

ويضيف:” ميزة الكويت أنها تقدر قيمة الفن ومنفتحة على الآخرين ومن هنا جاءت فكرة معرضي “أعمال عربية في بيوت كويتية”، خاصة أن الناس في تلك الفترة كانوا يسارعون إلى اقتناء اللوحات التي تعرض في المعارض الفنية لكبار الفنانين الذين كانت نقطة انطلاقهم من الكويت الحبيبة ”.

ويهيب سويلم بأهمية دور مؤسسات الدولة وفي المقدمة مصارفها الوطنية في اقتناء مجموعات أو مقتنيات فنية تعتبر من أصولها واستثماراً رابحاً.

الحركة الفنية النسائية
يشدد سويلم على أن الحركة الفنية التشكيلية اليوم نشيطة وكبيرة ولكن ما يدعو للحزن هو عزوف الناس عن الحضورلمشاهده المعارضبسبب مشاغلهم الكثيرة والضغوط الاجتماعية التي جعلت من الفنون خياراً ثانوياً وليس من الأولويات ولكن ما يبث الفرح في النفس هو رؤية بعض الوجوه النسائية التي اقتحمت مجال الفن التشكيلي واستطاعت مقارعة ومنافسة الرجل، لا بل والتفوق عليه في بعض الأحيان ومن أهم الأسماء سمر الرشيد البدر، مي السعد، أميرة بهبهاني، وداد المطوع وغادة الكندري وغيرهم.
رغم أن الفن التشكيلي يشتمل على العديد من المدارس، منها التجريدية والكلاسيكية، إلا أن يحيى سويلم يرفض تقسيم الفن التشكيلي إلى مدارس عدة على اعتبار أن الفن عم لية متكاملة وليس مدارس متعددة.

المرأة
تحتل المرأة مكانة مهمة في لوحات يحيى سويلم ويظهر في رسوماته تأثره الشديد بها كيف لا وهي أساس المجتمع وصانعة الأجيال والأم والأخت والزوجة والإبنة. ورغم محبته الكبيرة للفنان عمر النجدي، إلا أن يحيى سويلم استطاع أن يرسم لنفسه خطاً فنياً خاصاً به بعيداً عن التأثر بأعمال أي فنان أو الاستنساخ والتقليد، لذلك نرى في لوحاته مدرسة فنية قائمة بحد ذاتها لا تشبه إلا نفسها وتحمل الكثير من التقدير لقيم المرأة ومكانتها في المجتمع.

المعوقات
أما عن المعوقات الحالية التي تحول دون عودة الفن التشكيلي إلى سابق عهده من التقدم والإزدهار والريادة،
يلفت يحيى سويلم إلى أن المعوقات تكمن في نفس الفنان، خاصة أن الدولة غير مقصرة وتشجع الفن وتمنح الفرص وترصد جوائز مالية وأدبية عالية وتنظم العديد من المعارض الخارجية وتتيح البعثات وهذا ما ليس متاحاً في أي بلد آخر.

ويحمل يحيى سويلم وسائل الإعلام جزءاً من المسؤولية كونها مقصرة في نشر الحركة الفنية، أما الصحافة فتقوم فقط بتسليط الضوء على الأعمال دون الغوص في تفاصيلها أو تحليلها وتبيان مكامن الخطأوالصواب فيها وهذا يعود إلى غياب النقاد الفنيين المتخصصين وكل ما نراه من نقد هو اجتهاد شخصي ورأي خاص يفتقر إلى الدراسة والمعرفة. يقول سويلم:” لا يوجد مساحة للنقد التشكيلي في الصحافة أو الإذاعة أو التلفزيون، ولا يوجد نقاد تشكيليون، وللأسف عندما كانت هناك محاولات لإيجاد هذه الحركة النقدية من خلال وجود صفحة نقدية تم إجهاضها من دون سبب”.

يعتبر النقد التحليلي وفقاً ليحيى سويلم صلة وصل بين الفنان والمتلقي والمشكلة أن النقد دائماً إيجابي، والفنان هنا يعتبر انتقاد اللوحة أو العمل انتقاداً لشخصه وبطبيعتنا العربية لانحب النقد مع أنه عامل مساعد في التطوير وتقديم الأفضل وحتى عندما يظهر ناقد ويبدأ في الكتابة يدخل في حرب مع الفنان التشكيلي لأن هذا الأخير يعتقد أن الناقد يكتب لغرض في نفسه وهذا حدث مع كثيرين، مثل محمد المهدي وآخرين.
يؤكد يحيى سويلم أنه لا يوجد في الكويت نقد تشكيلي، ويصف ذلك بالكارثة، خاصة أن الفن التشكيلي يتقدم عندما يكون هناك حركة نقدية موازية، لأن النقد التشكيلي الجاد يمنع اختلاط الحابل بالنابل، ويساعد الجمهور على الفرز بين العمل الفني الأصيل والمزيف.

ويحدد سويلم مواصفات الناقد التشكيلي بأنه لابد أن يكون دارساً للفن، وأن يكون مطلعاً على تاريخ الفن ومراحله، وأن يكون على تماس مع كل ما يحدث على الساحتين المحلية والعالمية، وأن يكون متفرغاً للنقد ولديه عين حساسة يقيس بها قيمة العمل.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s