فرح بهبهاني… الفنانة المفتونة بالحروف العربية

ضيفة الغلاف لهذا العدد فنانة كويتية تعكس بطموحها وثقافتها هوية الكويت الفنية الحديثة، عززت فرح شغفها بالفن بالتعليم والدراسة ومن ثم بدأت العمل تحت كنف أبوين شجعا مسيرتها وساعداها على التألق. احترفت فرح فن الخط العربي واعتبرته مرآة لتراث لبلادها، فحولت القصائد العربية الغنية لتعبيرات خطيّة زاخرة. ولإن فرح مثالا للشباب الذين امتهنوا فن يحيي الثقافة والتراث، كان لنا معها هذا اللقاء.

أخبرينا قليلاً عن نفسك، نشأتك، تعليمك ودراستك وعملك؟

كفتاة شابة، اضطرت عائلتي إلى ترك الكويت خلال الغزو العراقي عام 1990 . ترعرعت في سويسرا، حيث درست وتخرجت من المدرسة الدولية في جنيف عام 1999 وحصلت على درجة البكالوريوس في الإعلام الجماهيري والإعلان )مع مرتبة الشرف(، وكذلك على شهادة في إدارة الأعمال من كلية الاتصالات في جامعة بوسطن عام 2003 . وتلا ذلك درجة الماجستير في فنون تصميم الاتصالات التي أنجزتها بتميز في يونيو 2007 من كلية سان مارتينز. أعيش حالياً وأعمل كمصممة وفنانة مستقلة في الكويت.

هل نشأت في منزل يشجع الحس الفني الخاص بك؟

نعم كثيراً جداً، فوالديّ ورغم أنهما بعيدين عن المجال الفني الإبداعي، إلا أنهما من متذوقي الفن وجامعيه طوال حياتهما. وكانا دائماً يشجعان ممارساتي ومحاولاتي الفنية ويشعران بالفخر حيال أي مشروع أقوم به. أنا ممتنة للغاية لوجودهما ودعمهما لي وتشجيعي الدائم على متابعة أحلامي.

أخبرينا قصتك مع التصميم وفن الخط العربي، كيف بدأ كل شيء؟

افتتنت وسحرت بالحروف العربية والخط العربي عام 2006خلال دراستي للماجستير في كلية سانت مارتينز المركزية للفن والتصميم في لندن. كنت أبحث عن الإلهام لتصميم غلاف كتاب أطروحتي وبدأت قراءة ترجمات من الأساطير الشرقية، ما خلق الشغف بداخلي لعمل يحمل ثقافة وتراث بلدي الغني. انجذبت بشكل خاص نحو فريدالدين عطار وبالأخص إلى قصيدة ” مؤتمر الطيور” وهو عبارة عن قصيدة صوفية من القرن الثاني عشر، تحكي قصة الطيور في العالم بحثاً عن ملكها الأسطوري. وفي عطشي لاستكشاف الأساليب التاريخية، تحولت إلى الخط العربي و شُغفتُ بأشكاله التعبيرية التي لا نهاية لها. توجب علي توضيح الخط في كتابي في عملي، لهذا شرعتُ في تعلم الأساليب الموجودة من النص المعروف باسم جالي ديواني، والتي كانت مناسبة بشكل كبير لموضوع قصيدة عطار- الطيور.

أي نوع من التعبير عن النفس أعطاك هذا الفن؟

تعلمت بأن الرسائل هي جوهر اللغة والفكر، وتمثل معنى يتجاوز شكلها الأساسي. وكتعبير عن الأفكار، فإنها يمكن أن تؤدي إلى احتمالات كثيرة، تأخذنا إلى لغة مخبأة بين الحروف الأبجدية.

هل يمكنك تحديد فن الخط في الكلمات الخاصة بك، ووجهة نظرك الشخصية حياله؟

فن الكتابة يحتل مكانة مقدسة في الثقافة الإسلامية، لأنه كان الأداة المستخدمة للحفاظ على الوحي الإلهي. ولقد تم تطوير الخط الإسلامي أصلاً كشكل فني لغرض نسخ القرآن ونشر كلمة الله، إلا أن هذه الممارسة تطورت على مر القرون إلى فن مذهل، يشمل جميع أشكال الحرفية.

وكما قال الصوفي الكبير والفيلسوف ابن عربي: “الحروف هي أمة بين الأمم”. وقد أخذ فن الخط الحديث هذه الممارسة إلى مسار آخر من خلال كسر القواعد التقليدية لهذا الشكل الفني، وبالتالي خلق أداة للتعبير الفني المفتوح مع احتمالات لا نهاية لها. وهكذا، فإن كل حرف يمكن أن يخلق السرد الخاص به، وينسج معاً شخصيات مختلفة، وعلاقات وأفكار، حتى لتخال أن هذه الحروف أو الرسالة ترقص على القماش.

وقد خلقت رمزية الحروف بعداً مقصوراً على الأبجدية العربية، والذي يتعلق بكل من الكتاب المقدس الديني وكذلك الكتابة الصوفية. ووفقاً لترتيب الأبجدية السامية القديمة )المعروفة أيضاً باسم أبجد(، الحرف “هاء” يمثل القيمة العددية 5، وتم رسمها في أوائل القرآن الكريم كرمز لتعيين كل خمس آيات. وعلاوة على ذلك، فإن الرسالة هي رمز للهواء، يصنفها الصوفي العظيم والشاعر ابن عربي على أنها “رسالة متجددة الهواء”. وهذه ال 125 حرفاً خشبياً تتبع سلسلة من العلاقات البصرية، في حين أن كل رسالة خامسة مغطاة رمزياً في ورقة من الذهب، تم استخلاصها من الإضاءة القرآنية. يوثق الكتاب التطور البصري لهذه الرسالة، كما هو موضح في الفئات الخمس التالية: المخطوطات الإسلامية، الهندسة المعمارية، الخزف، الأعمال المعدنية والإضاءة القرآنية.

أخبرينا عن كتابمؤتمر الطيور، اشرحي لنا مفهوم هذا الكتاب وما الذي دفعك للقيام بذلك؟

كتبه الصوفي الفارسي فريد الدين عطار، “مؤتمر الطيور” هو قصيدة صوفية مجردة من القرن الثاني عشر تحكي قصة الطيور في العالم في رحلة بحث عن ملكها الأسطوري. في كتابي، نفذتُ النص بخط جالي ديواني، من خلال إنشاء نظاماً تصميمياً لتمكين القراء من مختلف الثقافات والخلفيات من فهم معنى نص القصيدة وخطابها وتدفقها. هذا النظام هو الأول من نوعه، الذي يهدف إلى إعطاء القراء غير العرب نظرة أكبر على تعقيدات الكتابة العربية.

نُشرَ كتابي من قبل Thames and Hudson في لندن بيونيو 2009 . وقد عرضت الرسوم التوضيحية من هذا العمل في الأسبوع العربي للبرلمان الأوروبي في بروكسل بنوفمبر 2008 ، وكذلك “أرابيسك: فنون مهرجان العالم العربي” في مركز كينيدي بواشنطن العاصمة في فبراير 2009 .بدأتُ جولة الكتاب رسمياً في مايو 2009 من دار الفنون في الكويت وتابعت إلى لندن وجدة ونيويورك.

أين يمكن أن نجد هذا الكتاب؟

للأسف لقد تم بيع جميع نسخ الكتاب بعد عام من إطلاقه، لكنني أتطلع إلى نشر طبعة ثانية منه قريباً وآمل أن تكون متاحة في السوق بحلول العام 2018 .

سمعنا أنك تعملين على كتاب جديد، أخبرينا عن ذلك؟

أنا أعمل حالياً على كتابة وتصميم كتاب، يركز على التطور البصري للرسالة العربية “هاء “. هذا الكتاب هو جزء من مشروع أكبر تم إنشاؤه لمركز الملك عبدالعزيز للثقافة العالمية في الظهران بالمملكة العربية السعودية، تحت عنوان “في وجود هاء”، ينطوي المشروع على تركيب خشبي مكون من 125 قطعة مع كتاب يعرض تطور شكل الحرف العربي )ه / هاء( طوال تاريخ الخط الإسلامي.

هل هناك أي مشاريع أخرى يهمك أن تطلعينا عليها ؟

كان من أكبر مشاريعي تصميم هياكل التظليل أو «الحجاب » التي تغلف سبعة مبان لتطوير مدينة صباح السالم في الكويت. إن القوالب المصممة حسب الطلب والتي تحمل عنوان «ظلال المعرفة » هي وحدات نمطية من أجل إنشاء أنماط متداخلة متشابكة تستخدم ك «حجاب » أو هياكل تظليل لتغليف كل من المباني السبعة. والمباني هي: اللؤلؤة – قاعة الدعوة، كيوب – المكتبة الجامعية، مبنى الإدارة المركزية، ومركز المؤتمرات، والمركز الثقافي، ومركز الزوار والمسجد الكبير.

يتم إنشاء التصاميم الخطية مع آيات من الشعر أو النثر أو القرآن التي تتعلق بالتعليم والثقافة، مما يعكس وظيفة كل مبنى وشكله. تعتمد الآيات على المراجع التاريخية من الأدب الإسلامي، وتخلق مسرحية سريعة للضوء والظل من خلال متاهة من الحروف التي تستمد من المراجع الهامة في تاريخ العالم العربي / الإسلامي. وتم تصميم القوالب كما وحدة كاليغرافيك للسماح بالتنمية البصرية والتنوع.

أين تجدين إلهامك؟

الإلهام يأتي من كل مكان، كل ما عليك القيام به هو النظر. اتبعي الخيال الخاص بك واسبحي في بحره الواسع وابدعي.

أنت زوجة وأم، ما الدور الذي يلعبه طفلك الصغير في حياتك المهنية ورحلتك الفنية؟

الأمومة كانت تجربة مذهلة والأكثر صدقاً في حياتي. ليس هناك شك في أنه من الصعب تحقيق التوازن بين كوني أم وامرأة عاملة، فضلاً عن تجسيد أحلامي كفنانة ومصممة، ولكن لن أغير ذلك لأي شيء. الأطفال هم أكبر نعمة. ابني جلب الكثير من الفرح، وحفزني بأن أستمر في الإلهام لأكون أفضل نسخة عن نفسي. وكما قال المصمم البريطاني آلان فليتشر: «الفن والتصميم ليس شيئاً تفعله… إنها طريقة للحياة

ما هي الظاهرة التي تحدث في الكويت في هذه الفترة وتثيرانتباهك؟

إنه لأمر رائع أن نرى المشهد الثقافي الكويتي يتفتح في الوقت الحاضر،بدءاً من الحفلات الموسيقية والأوركسترا والعروض المسرحية في مركز جابر الأحمد الثقافي، وصولاً إلى البرنامج المتنوع في حديقة الشهيد، والمنتديات المحلية، مثل مؤتمر نقاط السنوي. كان هناك بالتأكيد تحولاً إيجابياً في المشهد الفني والثقافي في الكويت. ناهيك عن البرنامج الثقافي السنوي الرائع في دار الآثار الإسلامية، فضلاً عن عدد لا يحصى من صالات العرض التي تستضيف كل من الفنانين المحليين والدوليين، وهناك الكثير لرؤيته والقيام به في الوقت الحاضر ولكن دائماً من الصعب إيجاد الوقت لمواكبة كافة المستجدات.

ماذا تقولين للفنانين الشباب القادمين؟

لا تتوقفوا عن التعلم، فالعملية الإبداعية هي رحلة، تبنوا التحديات التي تدفعكم إلى التطور والتقدم.

الفنانون الذين أثروا في حياتك المهنية؟

الشخص الذي كان له أكبر تأثير على مسيرتي هو معلمي وصديقي العزيز خالد الساعي. لقد كنت متدربة لديه منذ عام 2006 ، ودرست مجموعة من أنماط الخط، وكذلك دخلت معه في مناقشة عميقة للشعر الفارسي والعربي، والكتابة الصوفية. إنني ممتنة إلى حد بعيد له على توجيهي باستمرار من خلال أبعاد عجيبة من الحروف العربية.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s