“غموض” وفن الرمزية!

بالنسبة لي، ظهرت “غموض” فجأة في إحدى مرّات المطالعة العشوائية لحسابات الاستكشاففي الإنستغرام، ومنذ ذلك اليوم وأنا مولعة بشخصية المرأة المنقبة الناشطة الأبدية ذات الاهتمامات الاجتماعية. لـ”غموض” وجود طاغ وصوت عال على الرغم من أنها لا تتكلم أبداً! هي قد تتواجد وتعبّر عمّا يجول في داخلها من خلال شعاراتها واهتماماتها المختلفة. على أوراق العصائر والساندويشات المحلية يرسم الثنائي المبدع فرح وسليمان “غموض” بكل حالاتها.

التقى المصممان فرح وسليمان في جامعة ميامي، درسا فيما بينهما الهندسة والتصميم الغرافيكي، الفن، الدعاية والإعلان، التصميم والإدارة، ولكن بعد مرور سنتين من العمل في الكويت شعرا بفراغ الابتكار الفني الشخصي، أن يكون لديهما عملاً خاصاً يطلق شرارات الإبداع فيهما وفق معاييرهما وأفكارهما الشخصية، هنا وُلدت “غموض” لتعبّر بطريقتها الخاصة عن كل الأحداث والمناسبات والأخبار التي تحدث في عالمنا. ولتكون الشخصية الرسمية لاستديو  dh_cالذي يطلق علامة متعددة التخصصات هدفها هو إعادة صياغة مفاهيم العالم الواقعية ليتمكن هذا الجيل من فهم العالم أكثر.

تتلخص نظرة استديو dh_c للفن بشكل عام على أنه التجسيد الحسي للأفكار الذهنية المتداخلة التي تندمج ببعضها البعض لتمثل الواقع. الفن عبارة عن مرآة وانعكاسها فكرة نابعة من الفنان يستقبلها المتلقي وفقاً لمعاييره التفسيرية الخاصة. لهذا يؤمن كل من سليمان وفرح أن للفن رسالة متعددة المعاني ربما لأنها تعتمد اعتماداً كلياً على الطريقة أو الصورة التي يتلقاها كل شخص على حدة. لهذا هما لا يحبان تفسير “غموض” ولا تعريفها تحت مسمى واحد، بينما يجدان قمة المتعة في الاستماع لكل وجهات النظر المختلفة التي تدور حولها. فـ”غموض” شخصية غامضة تثير زوبعة من الحوارات والنقاشات حول وجودها وكينونتها، مما يمنحهما فرصة رائعة لفهم كيفية تقبل الناس للرموز التي عادة ما تعني شيئاً مختلفاً كلما وضعت في موقف مختلف.

وعلى الرغم من أن “غموض” لازالت في غمار البحث عن ذاتها وهدفها الأول في الحياة، إلا أنها تعلم بفطرتها أنها خُلقت لتكون رمزاً للحب. هي مغطاة تماماً، مجهولة الهوية لأن الغموض قوة تكمن داخل مكامن المجهول. فعدم وجود ملامح معروفة لـ”غموض” يمنح وجودها الحسي،  مشاعرها التعبيرية، لغتها الجسدية قوة وتأثيراً أكبر على القضايا التي تهتم بها وتطرحها. حتى تناقض “غموض” والتضاد الجلي بين شكلها المتجسد بملابسها التقليدية المحافظة وبين اهتماماتها الحديثة الليبرالية التقدمية ما هو إلا انعكاس لتناقضات هذه الحياة والمجتمع والناس والفرد. فمثلنا جميعاً، “غموض” نتاج لهذا البلد، امتداد للتراث والثقافة التي نشأت تحت كنفها والبيت الذي تربت فيه، لا تشذ هذه الشخصية الحيوية أبداً عن القاعدة، إلا في كونها امرأة مرسومة على ورق ساندويش عادة ما ننسى وجوده ونتجاهل تاريخه المعنوي والفني! عندما اختارت “غموض”أن تقرن وجودها في هذا الكيس، قصدت أن تعلمنا ألانعتقد بديمومة الأشياء الصغيرة من حولنا! حياتنا سريعة، متشابكة ومتداخلة، مما يمنعنا من التوقف قليلاً عند التفاصيل وتقديرها والاستمتاع بها، نتوحد مع الروتين وننسى أن نسأل الأسئلة: من أين أتت هذه الأشكال التي نراها كل يوم على أكياس الورق؟ من صممها؟ كيف استوحى فكرتها؟ لماذا هي في كل مكان؟.

ظهرت “غموض” للمرة الأولى على وجه الأرض عندما فكر الثنائي في تصميم مجموعة ملابس من شأنها أن تخاطب رغبات ودوافع امرأة القرن الواحد والعشرين: رغبتها في أن تكون مثيرة للاهتمام، حرة في فرديتها وتميزها على الرغم من ضغوط مجتمعاتنا عليها لتكون تابعة وتقليدية. مجموعة الملابس لم تكن قد اكتملت بعد، ولكن كلما فكر المصممان في هذه الرغبات الرئيسية لامرأة اليوم ظهرت حاجة أكبر لشخصية تمثل هذه الدوافع وترمز لها.

لم يكن البحث عن الإلهام صعباً فيما يختص بـ”غموض”، فهي شغوفة ومولعة بكل شيء، متابعة جيدة للأخبار، مطلعة في برامج التواصل الاجتماعي، قارئة نهمة، متواصلة مع عائلتها، لديها العديد من الأصدقاء. فـ”غموض” أول المهنئين بعيد الأم، والأعياد الوطنية، أول المشاركين في الانتخابات البرلمانية، أول المناهضين لقضايا حقوق المرأة، أول الحضور في احتفالات الأوسكار، لا تبدي رأياًفقط في الموضة، بل وتمارسها باتقان في شوارع العواصم العالمية في أسابيع الموضة المختلفة، تضع شريطاً وردياً عندما تحين حملات سرطان الثدي وتعبر عن مشاعرها الحزينة حيال القضية السورية. فجمال “غموض” الساحر يكمن في تواجدها الدائم واهتمامها بقضايا الآخرين. تسخير نفسها ووقتها وروح الدعابة فيها لخدمة الإنسانية.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s