رون مويك: فنان يرصد خلَجات الإنسان!

من كان يعتقد أنّ الإنسان بحدِّ ذاته، ملامحه ومشاعره التي ترتسم بعفويّة على وجهه من الممكن أن تكون بهذه الروعة والإثارة؟ نحن نعيش داخل أنفسنا ونطّلع على البشر من حولنا كلّ يوم، نرّصد هذه الملامح والخلَجات والوجوه ولا نعتقد أبداً أنّها أو أننا قطع فنيّة تسيرُ على الأرض!

ربما ساهم عمل الفنان رون مويك لسنوات طويلة في عالم نحت النماذج البشريّة للأفلام والدمى لأفلام ومسلسلات الأطفال بخلق بعد تقديري خاص به لهذه الأجساد المكدّسة والمتراكمة حوله، هو لم يعد يراها أمراً عادياً فائض ومتوفر، نحن بالفعل نعتقدُ أنّه يراهم أو يرانا بكل تفاصيلنا المملّة شيئاً خارقاً للعادة وفنًّ يجب تبجيله.

لهذا الفنان نظرة خاصة جداً للإنسانية، فكل منحوتاته التي اجتاحت معارض لندن في الفترة الأخيرة حرّكت شيئاً داخل كل من رآها، عندما تقف بجانب أحد هذه الأعمال ستلاحظ أن قلبك ينبض أسرع من المعتاد، وسيعتريك شعور بالحزن والضعف أحياناً، أو شعوراً بالرهبة والإجلال أحياناً أخرى.

فتمثال Mask 2 مثلاً والذي يعرض وجه رجل بحجم مهول  يغمض عينيه وينام بسلام سيجعلك تنسى ولو لبضع ثوانٍ أنّكَ تشاهد أمر عادي جداً، وستقف ثوانٍ أو دقائق طويلة تتساءل ما إذا كان ذلك المخلوق إنسان فعلاً!

قدرة هذا الفنان المهولة على اقتناص تلك النظرات النابعة من عمق الوجدان الإنساني، وتجسيدها من السيلكون والصلصال بدون أن يغفل أدق تفاصيل الهيئة البشرية أمر لا يمكن فهمه أو تصديقه، تلك التجاعيد المتناهيّة الضالة على طرف العين، لمعان الجسد بأماكن مدروسة تدل على رطوبة العرق، تشكيلة زوايا الفم لكي يكون في تلك المنطقة الحائرة بين بداية ابتسامة وبداية تجهّم لا يمكن استيعابها أو حتى الإهتمام بها إلاَّ من قبل إنسان غاص في أغوار الخلجات البشريّة وتغلغل في دهاليزها المعتمة. ولكن يكمل السؤال هنا .. لماذا؟

لماذا يجد رون كل هذه الأهميّة في تعابير يوميّة طبيعيّة؟ ولماذا يقضي كلَّ هذا الوقت ليتقن تجسيد لون عروق الإنسان الخضراء تحت طبقات الجلد الباردة؟ في الحقيقة أنَّ لا أحد يعرف كيف يُفكّر هذا الفنان ولا كيف يُبرر لنفسه هذه الروعة في التجسيد، فهو لا يظهر في الصحف ولا يتحدث في لقاءات من أي نوع، هو فقط يراقب الناس من بعيد ومن قريب لكي يجد إلهاماً يشغف قلبه ويحرّك أصابعه الذهبية لصنع تمثال غامض جديد. وعلى الرغم من ان لكل أعماله سحر وشخصيّة وغموض خاص بها، فلا نعلم إن كانت تلك التماثيل تحاكي شخصيّة حقيقيّة أم من نسج خياله، إلا أن حقيقة الأحجام التي تتفاوت ما بين العملقة الهائلة والضآلة المتناهية في الحجم تبعث رسالة ضمنيّة لزوار أعمال رون مويك .. أنّ الإنسان يبقى إنساناً واحداً في الداخل رغماّ عن أنف كل الإختلافات التي تفرّقنا.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s