“في دراسة تقول…”

دائماً نسمع الجملة السابقة تلحق أي رأي خاص في أيِّ موضوعٍ كان. دائماً نبحث عن الدراسات التي تؤكّد رأينا الخاص. نبحث عن الدراسات التي تبرّهن للآخر مدى صحّة معلوماتنا. ونتغاضى عن ظروف الدراسة أو نوعها أو من  قام بها وما هي المؤسسة المسؤولة عنها وما هي دوافعها. بل أنّ آذاننا لا تسمع وأعيننا لا ترى أي دراسة تعاكس رأينا الشخصي. 

كنّا في نقاش تغذوي مع مجموعة من الأشخاص في ورشة عمل حول”حساسية الغلوتن”، وقد عارضتني إحدى الحاضرات بشدّة وبرهانها كان دراسة سمعت عنها في إحدى وسائل الإتصال الإجتماعي. بغضّ النظر عن أصل الموضوع الخلافي وما هي نقطة الإختلاف، ما  شدّني هوأنّها لا تعرف أي معلومة عن هذه الدراسة إلاّ نتيجتها. مما ينفي وجودها أو أي أهمية لها. فالكلام المرسل ليس علمي ولا نستطيع مناظرة من يستدل به وخصوصاً إذا كان الشخص يملؤه كل هذا الحماس الذي يجعله خصماً عنيفاً بدل شخص تتبادل معه الآراء. إختلاف الآراء العلميّة فيه إثراء كبير لنا جميعاً. فلا يجب علينا التشبّث بدراسة معيّنة كأنّها طوق النجاة، لإنّ العلم في تغيير وتطوّر دائم، فأنت تدعم رأي علمي معيّن لوجود براهين علميّة، إذا إنتفت هذه الأدّلة بشكل علمي وتمّ إثبات عكسها سينتهي دعمك لها. فهو ليس إيمان مطّلق.

أنقذ هذا الموقف وجود صديقة مشتركة حاضرة معنا وهي طبيبة، قالت أنه أثناء دراستها للطبّ كان هناك مادة كاملة تعلّم طالب الطبّ كيفية إنتقاد أي دراسة تقع بين يديه. وكيف يمكن أن يكتشف مثالب في الدراسة. فهناك فساد كبير في عالم الأبحاث العلميّة وسياسات المؤسسات العلميّة قد تتعمد غضّ البصر عن عنصر معيّن لإثبات نظرية لصالح الراعي الرسمي لأبحاثها. أيضا قد يسيء تفسير أو قراءة نتيجة الدراسة أو حتى تعمّد ذلك لهدف معيّن.

أكثر المواضيع شهدت تطرّف البعض بالتشبّث بالدراسات الداعمة لها بل والايمان بها بشكل مطلق والتي لاحظت تكرارها على مدى السنوات هي دراسات تثبت فوائد معينة للكاكاو والقهوة!  ليس من الصعب ملاحظة العامل المشترك بينهم. فكلّها مواد غذائية تسبب إدمان الشخص عليها وقطعها يسبب عوارض كثيرة مثل الصداع والتعب والإرهاق. قد يتعسّر عليه قطع تلك العادة اليوميّة فيضطّر أن يبحث عن الأعذار أو الحجج ليحتمي خلفها. فالدراسات بالنسبة له مجرّد  تبريرات لإختياراته.

هناك الكثير من المواضيع التي تختلف عليها الدراسات، فما هو أساس إختيارنا لما نصدّقه ونثق به سوى أهواؤنا الشخصيّة؟ فتماماً كما يوجد دراسات تثبت فوائد الكاكاو أو القهوة توجد أبحاث مماثلة تثبت مضارها. فهل نختار ما يناسب مزاجنا؟ وإذا إخترنا ما يناسبنا وهو من حقّنا، هل ندافع عنه بكل هذا الحماس والشراسة والتطرّف؟

أذكر مجموعة من أصدقائي وزملائي في أمريكا، كنّا ننتسب لمدارس مختلفة بل متضادة في التغذيّة، كنّا مختلفين في الممارسات التغذويّة تماماً. ومع ذلك كان هناك ودّ وتآلف، ولم يكن ثقيلاً على أحدهم أن يمتدح الآخر ويثني عليه فقط لإختلافه معه. فحسّ الأنا لم يكن موجود ولا يجرح غرورهم أن يختلف معهم أحد. فلم يستميتوا لإثباتأنّهم هم الصّح وغيرهم على خطأ. فلا ثابت بالعلم وعلوم التغذيّة ليست بإستثناء. فتتنوع فلسفة التغذيّة في العالم وتتنوع الإعتقادات العلميّة والجميع يحاول أن يدلّل على نظرياته بالأبحاث والدراسات.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s