أنفال الدويسان .. وجدت رسالتي في الثلاثين!

من الذي كتب مسلسل “صديقات العمر”؟ سؤال تردد في الأجواء ما إن تناصفت حلقات المسلسل الدرامي الذي كتب بعناية فائقة عن قصص حياة أربع صديقات عرفن بعضهن منذ الطفولة. كانت القصة راقية والأحداث واقعية مسّت حياة الكثيرين وتشابهت مع قصص معاشة في مجتمعنا. الكاتبة هي أنفال فيصل الدويسان التي أخبرتني أثناء اللقاء أنها كافحت وناضلت وحاربت الوقت والإحباط على مدى سنوات طويلة لتوصل صوتها ورسالتها من خلال هذا النص وغيره من النصوص لعالم الإنتاج التلفزيوني. ولكن أنفال الأم والزوجة لم تتوانى ولم تيأس عن الكتابة والعمل والحلم. عندما سألتها عن من هي أنفال وكيف ترى نفسها أخبرتني وسردت حكايتها بقلمها.. أنقلها لكم كما كتبتها:

تستهويني المدن القديمة.. بمبانيها وآثارها وشوراعها الضيقة.. يخيّل لي أنها تتحدث إلي وأستمتمع أنا بحكاياتها عن الماضي الجميل وقصصه العريقة.. تطربني موسيقى عبدالحليم وفيروز وأحب أيضاً الإستماع إلى أغاني البيتلز الجنونية.. تغريني فساتين الستينيات بإرتدائها.. فبنظري لها سحر لا يقاوم.. تلك آنا أحمل دوماً الحنين إلى الماضي.. وأمنية لو أني عشت في ذلك الزمن الجميل.. حيث كان الوقت يسير ببطىء.. والأشياء بسيطه مثل (الزواره) العائلية التي تسعد الناس من دون أن نكون مشغولين بكل تلك الأجهزة الإلكترونية.

كانت لي أحلام كثيرة رسمتها خلال سنوات الطفولة بدأت بأن أكون رائدة فضاء! .. وإنتهت بأن أكون كاتبة.. لطالما عشقت السماء بنجومها وكواكبها وبدت لي كعالم سحري يدفعني لإكتشافها وسبر أغوارها.. لازلت أذكر ضحكة أبي عندما أخبرته بحلمي.. فأخبرني بأني سأكبر وأعقل.. وكبرت وظلت أحلامي كبيرة.. لا أعرف لمَ خلال سنوات

المرحلة الثانوية والجامعية تعترينا رغبات بتغيير العالم.. وشعور بالقدرة على فعل ذلك.. نتخرج ثم نتوظف في دوائر الحكومة.. ونشاهد أحلامنا تتحطم على المكاتب المكدسة بالموظفين والفارغة من العمل!

درسنا في الجامعة نظرية تدعى “نظرية القطيع” وهي أن سلوك الشخص يتأثر بسلوك الجماعة.. وفعلاً أصبحت من القطيع واستسلمت سنوات طويلة لتأثير الرتابة الحكومية.. ومهما حاولت أن أكون مخلصة في عملي.. أو أن أجتهد زيادة.. فإن الترقية أو العلاوة وحتى المنصب يأتي بالأقدمية! .. لا لذكاء ولا لإجتهاد أو حتى مبادرات عبقرية.. إنما الأقدمية تبرر كل شيء في المباني الحكومية!

وجاءت نقطة الثلاثين في عمري.. جاءت لتقلب كل شيء رأساً على عقب في حياتي.. كنت أقول دوماً لأمي عندما أكبر سأفعل وأفعل.. وكبرت ولم أفعل شيئاً! .. ثم إنتبهت لحقيقة كانت أمامي دائماً ولكنها غابت عن عيوني.. قد يستطيع المدير إحباطي وإسكاتي ومنعي من تغيير أي شيء في عملي الممل جداً.. ولكنه لا يملك وقتي من بعد الثانية ظهراً! .. من بعد الثانية أنا حرّة لعمل أي شيء ولن يستطيع أحد إيقافي.

كنت في زيارة لمنزل عائلتي.. وجدت في خزانتي مذكرات قديمة.. كنت قد كتبتها أيام الجامعة.. قرأت قائمة أحلامي وبكيت.. بكيت لأنني أهملتها كثيراً.. بكيت لأنني شعرت بأنها لإمرأة أخرى لم تعد تشبهني كثيراً.. ثم أخذت قراراً.. وبدأت بتحقيق أحلامي.. وشيئاً فشيئاً إستعدت نفسي القديمة.. وأصبحت إبتسامتي حقيقية.

يقال بأن البدايات دائماً تكون صعبة.. وحقيقة شعرت بأنها مستحيلة.. فلا يهم بأنك تملك الموهبة أو القدرة أو حتى الرغبة.. المهم أشياء أخرى.. كي تحقق أحلامك تحتاج إلى المال.. العلاقات.. الواسطة.. نعم ذلك الثالوث أحبطني لأنني لم أكن أملكه.. كنت سعيدة عندما إنتهيت من كتابة أول سيناريو مسلسل تلفزيوني عام 2007.. والذي حمل إسم “في أمل” لأجد نفسي غير قادرة على إقناع المنتجين أو حتى المخرجين بمجرد قراءته! .. كان التبرير الوحيد الذي أسمعه من الجميع بأن الإنتاج التلفزيوني مكلف جداً ولن يجازف أحد مع كاتبة جديدة.. أقنعت نفسي بأن أحاول من جديد.. وكتبت نصاً آخر في عام 2009 والذي حمل اسم “صديقات العمر” .. ولم يتغير شيء بالمرّة!

لم أستسلم وقلت أجرب في مجال آخر.. كنت أهوى الطبخ.. لست بمحترفة ولكن أطباقي لذيذه بشهادة الأهل والأصدقاء.. ولكي أعد كتاب طبخ.. إكتشفت أنني أحتاج مبلغاً كبيراً لم أكن أملكه.. إتصلت على الشركات والمؤسسات وأيضاً لم يكن هناك أحد مستعد لتمويل شخص يعد كتاب طبخ لأول مرّة.. جمعت المبلغ لوحدي.. ومن دون مساعدة من أحد.. كان صعباً أن أحرم نفسي من أشياء إعتدتها.. وأن أقبل بالأقل بعدما اعتدت الأفضل.. وبعد عمل مضني خرج الكتاب للأسواق.. فرحت جداً عندما أخبرتني شركة التوزيع بأن كتابي كان الأكثر مبيعاً وتغلّب على كتب الطبخ الآخرى التي أعدها محترفون لهم سنوات طويلة في هذا المجال… لم يكن ذلك كافٍ بالنسبة لي.. فقمت بعمل مشروع صغير خاص بالتجهيزات الغذائية.. وبعد شهر من البدء بالمشروع فوجئت بعدد الطلبات التي أصبحت تنهال من كل ناحية.. وفرحت جداً بقراءة المسجات التي تصلني.. تشيد بالطعام ولذة مذاقة… والآن أشاهد مشروعي الصغير يكبر كل يوم.. كطفل أحسنت الإعتناء به فأضحى شاباً يثني الجميع على وسامته.

 ورغم كل ذلك لم أكن سعيدة كفاية.. لأن حلم الكتابة ظل يراودني طوال الوقت.. شيء في داخلي يخبرني أن هناك شيئاً ناقصاً وأن حياتي لن تكتمل من دونه.. إتجهت إلى كتابة الروايات.. وبعد عمل أخذ مني أكثر من سنة ولدت روايتي الأولى “مذكرات أنثى مختلفة”.. كنت سعيدة بأن النسخ كلها بيعت خلال عشرة أيام في معرض الكتاب الدولي.. وسعدت أكثر عندما قرر أحد المنتجين أن يجازف مع كاتبة جديدة ويقوم بإنتاج سيناريو “صديقات العمر” الذي كتبته عام 2009… وأصداء النجاح كانت جميلة جداً.. من مشاهدين خليجيين وعرب من مختلف الأعمار.. كلماتهم كانت تصلني كل يوم عبر وسائل التواصل الإجتماعي.. تشيد بالقصه وبالحوار الجميل.. فعلمت أن تعبي وصبري لم يذهب هباءاً.. وأن حلمي القديم أصبح حقيقة.

يدور يومي بين العناية بأطفالي الأربعة والكتابة وإدارة مشروعي الصغير.. أستيقظ كل يوم وأنا أشعر أنّ لديّ هدف أريد إنجازه.. لوقتي قيمة.. ولعملي غاية.. أحرص على تفاصيله وأسعى بكل جهد لأن يكون على أكمل وجه… حقيقة لم أكن لأصل إلى كل ذلك لولا التوكل على الله سبحانه وتعالى ثم مصادقة الأشخاص الناجحين.. فمع الناجحين تسعى دوماً لأن تكون مثلهم.. فعدوى نجاحهم تنتقل إليك مهما كانت مناعتك قوية.. والتحكم بالنفس المتمردة.. التي تهوى تضييع الوقت والإنشغال بالتافه من الأمور.. أن تعلّم نفسك أن تنهي ما بدأته حتى لو كنت تعباً.. مشغولاً.. متضايقاً.. فلا أحد سينهي مشروعك كما ستفعل أنت.. ولا قيمة في عملك إن لم تكمله.

شكراً لك أبي.. لأنك كنت دوماً تشجعني على الكتابة.. وتأخذني إلى المكتبات وتطلب مني أن أختار بحرية ما أود قراءته.. شكراً لك أمي.. لأنك علمتني أن كل شيء يجب أن يكون متقناً مهما كان صعباً.. وأن يكون جيداً ليس كفاية… لازالت قائمة أحلامي طويلة… ولا أعرف إن كان العمر سيسعفني أن أحققها جميعاً.. إلا أنني أعلم أنني لن أتوقف عن المحاولة.. إلى كل إنسان يملك الموهبة أقول: لا يمضي أوان تحقيق الأحلام أبداً.

There are 7 comments

  1. انوار

    كم هي جميلة هذه الروح التي سطرت كلمات مست عواطف نائمة وايقظتها بلمسة رقيقة كالنسيم البارد الداخل من نافذة بعد أن غسل المطر الطرق وأعادها بريئة كبرائة فجر يوم جديد لم يلوث بهموم الجري خلف لقمة العيش. ارجو من هذه الكاتبة الرقيقة بأن تستمر بالحلم من أجلنا جميعا. شكرا

    إعجاب

  2. naima ouriga

    حقيقة لقد اثرتي اعجابي بك ,لم أكن اعرفك لكن شدتني كل المسلسلات التي كتبتي روياتها,اجد نفسي منجدبة لمتابعتها لانها تعالج قصايا كثيرة تعيشها كل انثى على وجه البسيطةولم اكن اعلم ان كاتبة هده الروايات هي امراة واحدة الى ان رجعت وقرأت عنك فاكتشفت انك فعلا تمثلين كل واحدة من بنات حواء وتستحقين التقديروالتبجيل

    إعجاب

  3. عين الحياه عبدالله

    ماأروع احساسك ياإبنتي وماارقى مشاعرك ،، ذكرتيني بشبابي ،،، نفس السيرة والاهتمامات والبدايات ولكن ❗الفرق بيني وبينك انك ذللت الصعاب حتى وصلت الى ماتريدين وحققت أهدافك من خلال رؤيتك انت والتي رسمتيها وحققتيهاحتى المهايه ،،، اما أنا فأستسلمت وسلكت طريقا برؤية رسمها من هم يمثلون !!!رغم بداياتي الجميله ومساراتي التي تمثل خطى مرتبه وسلسه تنبأ بمستقبل ادبي جميل الا انه حصل ماحصل وكن اول انتكاسه انهزمت وتوقفت…. بارك الله فيك وسددخطاك ///

    إعجاب

  4. أم خالد

    حقا انت ملهمة ومبدعة
    قليلين هم الذين يبعثون الامل في النفوس المنكسرة لكن تأكدي انك واحدة منهم
    كل الشكر لك
    لابداعك ولرفع ذوق المشاهد بالقصص التى تحكي واقعنا وحياتنا
    لك التوفيق لك

    إعجاب

  5. جاردينيا اكتوبر

    لامست كلماتك شغاف قلبي .. واطلقت اثير ذكرياتي .. حاكيتي روحي التي افتقد .. ذكرتني بنفسي التي ما عادت تشبهني ..واثرتي شهيتي للكتابة من جديد ..
    قلمي .. لامست كلماتك شغاف قلبي .. واطلقت اثير ذكرياتي .. حاكيتي روحي التي افتقد .. ذكرتني بنفسي التي ما عادت تشبهني ..واثرتي شهيتي للكتابة من جديد ..
    قلمي .. رفيقي الذي غبت عنه طويلا .. بل تحاشيته .. مررت بأمسيات اراود نفسي عن هواها بخط ترانيم روحي ، إلا اني لم استطع يوما مجاراة خوفي بالامساك به .. اخاف ان اغص بحروفي لتخنقني اكثر من ذاك الواقع الاليم الذي غربنا عن انفسنا وتركنا ذبيحي احلامنا .
    كلماتك من اجمل ما قرات وشاهدت .. تنبض بالواقع .. وبثت في قلبي ……….امل

    جاردينيا اكتوبر

    إعجاب

    1. جاردينيا اكتوبر

      لامست كلماتك شغاف قلبي .. واطلقت اثير ذكرياتي .. حاكيتي روحي التي افتقد .. ذكرتني بنفسي التي ما عادت تشبهني ..واثرتي شهيتي للكتابة من جديد ..
      قلمي .. رفيقي الذي غبت عنه طويلا .. بل تحاشيته .. مررت بأمسيات اراود نفسي عن هواها بخط ترانيم روحي ، إلا اني لم استطع يوما مجاراة خوفي بالامساك به .. اخاف ان اغص بحروفي لتخنقني اكثر من ذاك الواقع الاليم الذي غربنا عن انفسنا وتركنا ذبيحي احلامنا .
      كلماتك من اجمل ما قرات وشاهدت .. تنبض بالواقع .. وبثت في قلبي ……….امل
      جاردينيا اكتوبر

      إعجاب

  6. nada

    كنت اتابع مسلسل حين اراك واحببته جدا لرقيه واشعاره ومن قبله احببت جدا صديقات العمر وكنت اشاهده كثيرا ثم كان يوم ان شاهدت ذكريات لاتموت واغجبت جدا بالخواطر والاشعا كل المسلسل حتي اني بدأت ابحث عن اسم انفال..انسانة رائعة وكاتبةراقية في زمن امتلات الاعمال التلفزيونية بالالفاظ الدونية شكرا لكي..

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s